زلزال خروج بريطانيا من أوروبا وتبعاته

  • 2016-07-27

من المبكر الإحاطة بنتائج الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، لكن هذا الخروج يبقى مثل زلزال بقوة ثماني درجات على مقياس ريختر.

توابع الزلزال ستتوالى على مدار السنوات المقبلة، وهو أقرب إلى تفاعل السلسلة، إذ ينتج عن التفاعل الأول سلسلة تفاعلات بقوة الدفع الذاتي، وفي الاجتماع والثقافة لا يمكن إيقاف السلسلة أو التنبؤ بالتفاعلات التالية.

ولعل من الدلالات الاولى للخروج البريطاني  موت مقولة هنتنغنتون (صراع الحضارات)، فالآن الصراع داخل البيت الغربي.

وقد كان سلاح قادة حملة الخروج من الاتحاد هو تضخيم المخاوف من المهاجرين، ليس من المهاجرين السوريين وأترابهم، فهؤلاء لاجئون، إنما من المهاجرين  الأوروبيين، خاصة من دول أوروبا الشرقية الذين منحهم الاتحاد حق العمل في دوله وساواهم في الوصول إلى الخدمات الحكومية.

وبعد 23 يونيو بات الاتحاد الأوروبي (على كف عفريت) تعصف به الخلافات ويلفه عدم اليقين.

وبريطانيا انقسمت  رأسيا بشأن عضويه الاتحاد الاوروبي، وبقاؤها (مملكة متحدة) مطروح على المحك، فهناك 52 في المائة من البريطانيين قرروا الخروج من الاتحاد مقابل  48 في المائة يريدون البقاء، وهؤلاء ليسوا أرقاما صماء.

فبين الذين  يريدون  البقاء معظم أبناء إسكتلندا وإيرلندا الشمالية. أي أن مكونات (أقاليم) المملكة المتحدة  متباينة المواقف من عضويه الاتحاد.

لذلك لم يكن غريبا أن تبدأ القيادات الاسكتلندية اليوم في الحديث عن استقلال اسكتلندا لتتمكن من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأن يعلن الحزب الرئيسي في إيرلندا الشمالية عن بدء جهود للانسلاخ عن المملكة المتحدة والانضمام إلى جمهوريه ايرلندا.

حتى على مستوى اقليم إنجلترا، فإن مدن لندن ومانشستر وليفربول صوتت لصالح البقاء في الاتحاد، وفضلا عن إقليم ويلز صوتت بقية مدن إنجلترا لصالح الخروج.

الآن اليمين الأوروبي في حال انتعاش غير مسبوقة، ومواقعه في البنى السياسية لدول أوروبا الغربية تتعزز منذ سنوات، وحصصه في الانتخابات التشريعية والمحلية تزداد.

وسيوظف هذا اليمين الشعبوي الخروج البريطاني إلى الحد الأقصى، وسيكون الاختبار الأول في الانتخابات الفرنسية بعد سنة.

كان الظن أن أوروبا بعد حربين كونيتين قد تحررت من التعصب القومي واعتمدت التعددية صيغه للتعايش على المستويين الوطني والقاري، لكن ها هي بريطانيا تنتصر للتعصب وتنغلق على مصالحها القومية.

وكان الظن أنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أن الرأسمالية قد حققت انتصارها النهائي وطرحت أعلى تجلياتها في العولمة. بيد أن الخروج البريطاني يقول غير ذلك.

لا مكان الآن لمقوله  الرأسمالية الأثيرة "دعه يعمل دعه يمر"، فالواقع أن أهل هذه المقولة في مدن إنجلترا الرئيسية وبينهم المتعلمون ورجال الأعمال صوتوا لصالح البقاء في الاتحاد، لكن الغلبة كانت للشعبويين والدهماء.

أوروبا تدخل اليوم في حقبه انتقالية قد تطول لسنوات عدة، تماما كما دخل العالم العربي قبل خمس سنوات في حقبة انتقالية  دخلت فصلها الأخير في مصر، ومازالت فصولها تتوالى في العراق وسوريا واليمن وليبيا.

الفرق أن الانتقال الاوروبي لا يتوسل العنف ... على الأقل حتى الان !

ومع الأسف، حين تدخل أوروبا حقبة انتقالية، فإن آثار الحقبة تطال الكون بأسره، فليست أوروبا وحدها التي تغيرت عن أوروبا الأمس. إنما العالم، سياسة واقتصادا وقيما مشتركه وعلاقات دولية، أيضا غيره اليوم.. حتى النظام الدولي بات اكثر سيولة!